محمد أبو زهرة

4499

زهرة التفاسير

وإن ذلك تنبيه إلى طول الأمد حتى تظنن أهله ، ولرقودهم الذي يشبه الموت اختلفوا فيه ، وليعلم الناس أن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ، وأن الأزمان أمرها نسبى وهي بالنسبة للّه تعالى ليست بشيء يحصى . والاستفهام هنا جعل ما بعد أَيُّ يسد مسدّ مفعولين ، ومعنى الاستفهام التنبيه إلى أن الزمن طال حتى اختلفوا في قدره ، وبعثوا من مراقدهم ليتعرفوا الزمان ، وفي أي زمان هم ، وبذلك يعرفون أي القائلين أصدق قيلا . و أَحْصى قيل : إنها أفعل تفضيل ، ولكن أفعل التفضيل لا يكون إلا من فعل ثلاثي مجرد ، ولكنه جاز استثناء ، والقرآن لا يحاكم أمام قواعد النحو لأنه فوقها ، وهو يوجهها ، ولا توجهه ، وقد كثر أفعل التفضيل في الرباعي كقولهم ما أعطاه للمال ، وآتاه للخير ، ويقال إن أفعل التفضيل يجوز بعد تجريده من الزوائد ، إذ يصير ثلاثيا ، وفيه معنى الإحصاء ، وقوله تعالى : أَمَداً معناه زمانا ، أي أعلم بمقدار الزمن الذي أحصى أهذا الذي قال يوما أو بعض يوم ، أم الذي فوض . وقد قص سبحانه وتعالى قصصهم بالحق فقال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) . يقص اللّه سبحانه قصصهم بالحق من وقت أن نشئوا وخوطبوا بالوحدانية في وسط الوثنية بعد بعث عيسى عليه السّلام ومجىء بعض رجاله إليهم في الرومان داعين إلى التوحيد ، والنبأ هو الخبر الخطير الشأن ، وأي خطر وشأن أكبر من عدد من الناس ينام نحو ثلاثمائة سنة أو تزيد ، وهو حي ، ويتكفله اللّه تعالى حتى يوقظه من مرقده ، وهو لا يدرى على التعيين متى رقد ، وقوله : بِالْحَقِّ ، أي مصاحبا للحق لا يغادر شيئا من الصدق ، ولا يبعد ، ثم أخذ سبحانه يقصص ذلك القصص الذي فيه أدل شئ على القدرة بعامة ، والبعث بخاصة إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ الجملة منفصلة بيانية عما قبلها ؛ لأنها في مرتبة البيان فهي بيان للقصص الحكيم ، فِتْيَةٌ كما ذكرنا جمع فتى ، وهو الشاب القوى غض النفس التي كانت على الفطرة ، وهؤلاء فيهم فتوة الشباب وفتوة الإيمان ، وهي جماع مكارم